كسر الروتين : كشف المقاصد على رسالة الوالد...

أربعاء, 28/12/2022 - 19:53

بنشاب : كتب المحامي  محمد المامي مولاي أعلي حول رسالة(مشفرة) أرسلها والده أطال الله عمره و هو نائب المدعي العام لدى محكمة الإستئناف بانواكشوط أواخر ثمانينيات القرن الماضي موجهة إلى رئيس المحكمة العليا حينها العلامة محمد سالم ولد عدود رحمه الله...حيث كان والده يترقب تحويلا تعسفيا و هي رسالة مشفرة على شكل (نص نحوي) مستنجدا بالعلامة و رئيس المحكمة عدود رحمه الله، كي لا يحصل ذلك...

""""عندما كان الوالد أحمد سالم ولد مولاي أعلي-حفظه الله- نائبا للمدعي العام لدى محكمة الإستئناف بنواكشوط في أواخر الثمانينات، كان رئيس المحكمة العليا حينها العلامة محمد سالم ولد عدود رحمه الله، وقد ترقب الوالد تحويلا تعسفيا تلوح بوادره في الأفق، فبادر بإرسال رسالة مشفرة إلى العلامة عدود مستنجدا به، ومرت الرسالة بالمدعي العام لدى محكمة الإستئناف، ثم بالنيابة العامة لدى المحكمة العليا، ثم بديوان رئيس المحكمة العليا دون أن يستطيع أحد فك شفرتها، إلى أن وصلت العلامة، فأرسل اليه وقد فهم الرسالة وطمأنه بشأن فحواها 
وقد قمت بكتابة حاشية على الرسالة –استجابة لطلب أحد الأصدقاء-محاولا كشف مقاصدها، وهذا نص الرسالة: 
(*)من ذي لام مكسورة إلى من لامه دائما مفتوحة ما لم يعطف وتحذف ياؤه، وبعد فقد قيل إن غير أفعال القلوب من الأفعال التي تنصب المبتدأ والخبر مفعولين لها قد دخلت السياق، وبدأت تكثر في الاستعمال، وإن في ذلك لإزعاجا لمن لم يتجاوز في الخلاصة أبواب النيابة.(*)
---------------------
قلت: قوله: (من ذي لام مكسورة إلى من لامه دائما مفتوحة ما لم يعطف وتحذف ياؤه)، يقصد أنه مستغيث، وأن رئيس المحكمة العليا حينها العلامة محمد سالم ولد عدود مستغاث به، وهو يشير إلى قول ابن مالك:
 إذا استغيث اسم منادى خفضا ... باللام مفتوحا كيا للمرتضى 
 فيقال: ( يا لَزيد لِعمرو ) فيجر المستغاث بلام مفتوحة، ويجر المستغاث له بلام مكسورة، و إنما فتحت مع المستغاث لان المنادى واقع موقع المضمر، واللام تفتح مع المضمر، نحو:( لك، وله)
ثم هو يشير إلى قول ابن مالك كذلك: 
وافتح مع المعطوف إن كررت " يا " ... وفي سوى ذلك بالكسر ائتيا
فإذا عطف على المستغاث مستغاث آخر: فإما أن تتكرر معه " يا " أو تحذف، فإن تكررت لزم الفتح، نحو ( يا لزيد ويا لعمرو لبكر) وإن لم تتكرر لزم الكسر، نحو ( يا لزيد ولعمرو لبكر ) كما يلزم كسر اللام مع المستغاث له، أي: في سوى المستغاث والمعطوف عليه الذي تكررت معه " يا " تكسر اللام وجوبا، فتكسر مع المعطوف الذي لم تتكرر معه " يا " ومع المستغاث له.
وقوله: (وبعد فقد قيل إن غير أفعال القلوب من الأفعال التي تنصب المبتدأ والخبر مفعولين لها قد دخلت السياق وبدأت تكثر في الاستعمال)، يقصد أن "تحويل" القضاة قد حان وقته، وهو يشير إلى أن (ظن) وأخواتها التي تنصب المبتدأ والخبر مفعولين لها تنقسم قسمين: أفعال القلوب وسميت أفعال قلوب؛ لأن معانيها تقوم بالقلب، و أفعال التحويل والمراد بها تصيير الشيء وتحويله من صفة إلى صفة، أو من ذات إلى ذات أخرى
وقوله: (وإن في ذلك لإزعاجا لمن لم يتجاوز في الخلاصة أبواب النيابة)، يعني أن تحويل القضاة يزعجه، وهو منذ تخرجه يعمل بالنيابة العامة (نائب المدعي العام لدى محكمة الاستئناف) ويراد تحويله تعسفيا إلى الداخل
وهو يشير إلى أبواب النيابة في ألفية ابن مالك، وهي أول ما يدرسه دارس النحو، وهي سبعة: (الأسماء الستة، والمثنى، وجمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم، والإسم الذي لاينصرف، والأفعال الخمسة، والفعل المضارع المعتل الآخر)
والألفية للشيخ العلامة جمال الدين أبي عبد الله الطائي الجياني المعروف بابن مالك النحوي المتوفى سنة 672هـ ، وقد جمع فيها مقاصد العربية وسماها “الخلاصة” في علمي النحو والتصريف، وأخذها ابن مالك من الكافية الشافية، وجعلها في أرجوزة لطيفة مع الإشارة إلى مذاهب العلماء وبيان ما يختاره من الآراء أحيانا، وقد كثر إقبال العلماء على هذا الكتاب من بين كتبه بنوع خاص حتى طويت مصنفات أئمة النحو من قبله، وإنما اشتهرت بالألفية، لأنها ألف بيت في الرجز
ولعل القاعدة الشهيرة القائلة بأن قلم النيابة أسير ولسانها حر، والتي تعني خضوع عضو النيابة لأوامر رؤسائه فيما يتعلق بطلباته المكتوبة أمام المحكمة، وحريته المطلقة فيما يقدمه من طلبات شفهية أثناء مرافعته، وهي المكرسة بالفقرة الأخيرة من المادة 9 من النظام الأساسي للقضاء،  لعل هذه القاعدة ولدت ميتة بفعل مانصت عليه الفقرة الأولى من نفس المادة بقولها: (يخضع قضاة النيابة العامة لإدارة ومراقبة رؤسائهم التسلسليين ولسلطة وزير العدل)، وبفعل تحويلهم بمقرر من وزير العدل طبقا للمادة 4 من النظام الأساسي للقضاء
وهو مايجعل قضاة النيابة عرضة للتحويل التعسفي متى ما قدموا طلبات شفهية مخالفة للتعليمات، وقد روى لي الوالد-حفظه الله- أنه كان عرضة لاستفسار من وزير العدل بسبب مرافعة شفهية قدم فيها طلبات مخالفة للطلبات المكتوبة وفق التعليمات
بل إن المادة 36 جديدة من النظام الأساسي، تتيح لوزير العدل أن يعاقب القضاة الجالسين  بقولها (  إذا أسندت إلى أحد قضاة الحكم وقائع أو تصرفات على درجة من الخطورة يمكن التعرف عليها بوضوح فلوزير العدل في حالة الاستعجال وبعد أخذ الرأي المطابق من رئيس المحكمة العليا والمدعي العام لدى نفس المحكمة أن يحظر عليه ممارسة وظائفه إلى أن يتخذ قرار نهائي في المتابعة التأديبية، ويمكن أن يشمل هذا الحظر المؤقت في حالة الخطأ الجسيم حرمانه من مرتبه باستثناء التعويضات العائلية) مما يقوض استقلال القضاء برمته 
وقد رأينا أن القضاة يترقبون المجلس الأعلى للقضاء، خشية القرارات التعسفية كلما أقتربت دورته، ودخلت التحويلات السياق وبدأت تكثر في الاستعمال."""